وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 18 سبتمبر 2026 إعلاناً رئاسياً يمدّد العمل بقيود تأشيرة العمل H-1B لمدة اثني عشر شهراً إضافية، أي حتى الثانية عشرة من صباح 21 سبتمبر 2027 بتوقيت الساحل الشرقي، ما يعني استمرار شرط دفع مبلغ 100,000 دولار لاستقدام معظم العاملين الأجانب في التخصصات الدقيقة. وصدر في اليوم نفسه أمر تنفيذي منفصل يجعل الشركات التي سرّحت موظفيها خلال العام الماضي تحت تدقيق مشدّد عند تقديم طلبات تأشيرات جديدة. القراران معاً يعيدان رسم خريطة الهجرة المهنية إلى الولايات المتحدة لعام كامل قادم، ويأتيان بعد عام على الإعلان الأصلي الذي صدر في 19 سبتمبر 2025 تحت رقم 10973.
ماذا وقّع ترامب بالضبط؟
الوثيقة الأولى هي إعلان رئاسي بعنوان «تقييد دخول عمال مؤقتين معينين»، وتُعدّ امتداداً مباشراً لإعلان سبتمبر 2025 الذي فرض قيوداً مشددة على دخول حاملي تأشيرة H-1B ما لم ترافق الالتماسَ رسومٌ قدرها 100,000 دولار، مع استثناءات محدودة جداً. وقد ذكر الإعلان الجديد أن هذه الرسوم دُفعت فعلياً لأكثر من 700 التماس منذ دخول القيود حيّز التنفيذ في 21 سبتمبر 2025، وأن واشنطن ترى أن «القيود أثبتت فعاليتها العالية» لكن «الظروف التي استدعتها ما زالت قائمة»، وفق النص الرسمي المنشور على موقع البيت الأبيض.
الوثيقة الثانية هي أمر تنفيذي بعنوان «تعزيز نزاهة البرنامج والتنسيق بين الوكالات في إدارة برنامج تأشيرة H-1B»، وتتضمن ثلاث تدابير عملية:
- تدقيق التسريحات: يجب على وزارة الخارجية ووزارة العمل ووزارة الأمن الداخلي أن تراعي عند دراسة أي التتماس أو طلب ما إذا كانت الشركة الكفيلة سرّحت موظفين خلال العام السابق أو تخطط لتسريحات تؤثر على عمال أمريكيين في مواقع مشابهة.
- مراجعة رجعية خلال 30 يوماً: تُكلَّف إدارة أجور وساعات العمل في وزارة العمل بمراجعة بيانات طلبات شهادات ظروف العمل المقدمة سابقاً لتحديد ما إذا كان يستحق اتخاذ إجراءات ضد شركات كفيلة معينة.
- تنسيق بين ست جهات: تُلزم الوزارات الثلاث بالتشاور مع وزارة التجارة ووزارة التعليم وإدارة الأعمال الصغيرة وتزويدها ببيانات الأجور والتوظيف والاقتصاد ذات الصلة.

المصدر: الموقع الرسمي للبيت الأبيض whitehouse.gov — صحيفة وقائع بشأن نزاهة برنامج H-1B، سبتمبر 2026
الأرقام التي استند إليها البيت الأبيض
لم يكن الإعلان مجرد خطاب سياسي؛ إذ تضمّن النص الرسمي حزمة أرقام تشرح منطق التمديد:
- فجوة أجور تتراوح بين 9,000 و20,000 دولار بين حاملي H-1B والعمال الأمريكيين في الوظائف المماثلة، رغم أن القانون يشترط المساواة في الأجر.
- شركات التقنية طلبت مئات الآلاف من تأشيرات H-1B بينما سرّحت في الوقت نفسه ما بين 800,000 و1.3 مليون موظف أمريكي بين عامي 2022 و2026، بحسب تقديرات وردت في نص الأمر.
- في السنة المالية 2026، استحوذت ست شركات كبرى تعمل بنموذج التعهيد الخارجي على أكثر من 25,000 تسجيل في سحب الحصص، وهو ما وصفه النص بأنه تحوّل للتأشيرة نحو أن تكون «تأشيرة التعهيد الخارجي».
- تحقيقٌ أشار إلى شهادات درجات من «مصانع الشهادات» المشبوهة قُدّمت لدعم بعض الالتماسات.
وربط الإعلان هذه الممارسات بما وصفه بـ«التهديد للأمن القومي» و«الضغط الهابط على الأجور المحلية»، وهي الحجج نفسها التي سبق أن استخدمتها الإدارة عند إطلاق القيود الأولى في 2025.

المصدر: الموقع الرسمي للبيت الأبيض — أرشيف الصور الرسمية
ما الذي كان سارياً أصلاً قبل هذا التمديد؟
لفهم أثر التمديد لا بد من العودة إلى البنية القائمة التي تمّ البناء عليها:
- قاعدة الاختيار المرجّح: نشرت وزارة الأمن الداخلي في 29 ديسمبر 2025 قاعدة نهائية بعنوان «عملية اختيار مرجّحة للمسجلين والمقدمين على التماسات H-1B الخاضعة للحصة»، تمنح الأولوية للمسجلين من أصحاب المهارات والأجور الأعلى، وقد طُبّقت بالفعل في موسم حصة السنة المالية 2027.
- قواعد الأجور قيد الإعداد: نشرت وزارة العمل في 27 مارس 2026 مسودة قاعدة بعنوان «تحسين مستويات أجور H-1B»، وهي ما تزال في مراحل إقرارها.
- رقابة على التوظيف البديل: توجهات سابقة تجعل الشركات التي تستبدل عمالاً أمريكيين بعمال أجانب هدفاً أولياً للتحقيقات.
وبذلك يضيف تمديد 2026 طبقة جديدة فوق منظومة قائمة أصلاً، بدل أن يكون نقطة انطلاق من الصفر.
الخط الزمني الكامل لملف H-1B: من 2025 إلى 2027
لوضع التمديد في سياقه، هذا تسلسل المحطات التي أوصلت البرنامج إلى وضعه الحالي:
- 19 سبتمبر 2025: صدور الإعلان الرئاسي رقم 10973 الذي فرض قيود الدخول ورسوم الـ100,000 دولار، بدخول حيز التنفيذ في 21 سبتمبر من العام نفسه.
- خريف 2025: إقبال محدود جداً على دفع الرسوم، مع تحول مئات الشركات إلى مسارات توظيف بديلة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
- 21 سبتمبر 2025 حتى تاريخه: دفع الرسوم لأكثر من 700 التماس فقط — رقم يوضح حجم العزوف مقارنة بعشرات الآلاف من الالتماسات المعتادة سنوياً قبل القيود.
- 29 ديسمبر 2025: وزارة الأمن الداخلي تنشر قاعدة «الاختيار المرجّح» النهائية التي تعيد هندسة سحب الحصص لصالح الأجور والمهارات الأعلى.
- 27 مارس 2026: وزارة العمل تنشر مسودة قاعدة رفع مستويات الأجور المطلوبة، وسط اعتراضات من اتحادات التقنية.
- 18 سبتمبر 2026: ترامب يوقّع التمديد حتى 21 سبتمبر 2027 والأمر التنفيذي الخاص بتدقيق التسريحات والتنسيق بين الوكالات.
من يقرأ هذا التسلسل يفهم أن الاتجاه العام نحو مزيد من الانتقائية والكلفة، لا نحو التراجع، وأن أي توقع بعودة البرنامج إلى نسخته السابقة قبل 2025 لا يستند إلى أي مؤشر رسمي متاح اليوم.
ماذا عن الدعاوى القضائية؟
الصورة ليست مكتملة بلا بعد قضائي. فمنذ فرض رسوم الـ100,000 دولار في سبتمبر 2025، تشهد المحاكم الأمريكية دعاوى تطعن في مشروعية الإعلان، وتناولت تقارير صحفية — منها تقرير لصحيفة تايمز أوف إنديا — أن أمراً قضائياً بتعليق تنفيذ الرسوم ما يزال قائماً في جزء من القضايا، بينما يشير البيت الأبيض في نصّه إلى تراجع حاد في أعداد الالتماسات كدليل على فاعلية القيود. بعبارة أخرى: التمديد السياسي حصل، لكن الكلمة الأخيرة القانونية قد لا تكون قيلت بعد، وهو ما يجعل متابعة تطورات الدعاوى ضرورة لمن تربطه خطط مباشرة بهذا البرنامج.
من يتأثر أكثر من غيره؟
الأرقام التاريخية تجعل الهند الطرف الأكثر تأثراً بقرارات H-1B؛ فقد ذكرت تقارير صحفية، من بينها هندوستان تايمز، أن المواطنين الهنود يستحوذون على نحو 71% من تأشيرات H-1B الممنوحة. أما تأثير التمديد فيتوزع على ثلاث فئات:
- المهنيون العرب الطامحون للعمل في أمريكا: الكلفة الرسمية المعلنة تجعل المسار شبه مستحيل إلا عبر شركات كبرى مستعدة لتحمل الرسوم أو الاستثناءات المحدودة.
- الشركات الأمريكية: من لم يسرّح موظفين يظل بإمكانه التقديم مع تدقيق أشد، ومن سرّح خلال العام الأخير سيواجه عوائق إضافية.
- خريجو الجامعات الأمريكية: تحول تدريجي نحو مسارات بديلة مثل تأشيرة O-1 للمواهب الاستثنائية أو الانتقال إلى كندا وأوروبا، وهو تحول رصدته عدة تقارير اقتصادية خلال الأشهر الماضية.
ماذا يعني هذا لك عملياً؟
إذا كنت مهندساً أو مبرمجاً أو اختصاصياً عربياً تحلم بالعمل في الولايات المتحدة، فهذه القرارات تعيد ترتيب أولوياتك:
- لا تبنِ خطة على H-1B وحدها خلال 2026 و2027؛ فالكلفة والقيود القضائية تجعل المسار غير مؤكد حتى للمؤهلين تماماً.
- ابحث عن وجهات بديلة رسمية تفتح أبوابها للمهنيين بلا رسوم تعجيزية، وعلى رأسها ألمانيا التي أطلقت مسارات عمل قانونية موسعة خلال العامين الماضيين — يمكنك البدء بمراجعة شرح بطاقة الفرص الألمانية Chancenkarte وطريقة حساب النقاط كوجهة للمهنيين.
- للطلاب تحديداً: المشهد الأمريكي المتقلب لا يعني إغلاق باب الدراسة، لكنه يستدعي قراءة متأنية للقواعد الجارية، وقد شرحنا سابقاً ما جرى عندما جمّد قاضٍ فيدرالي سقف التأشيرات الطلابية لأربع سنوات في قضية ما تزال في المحاكم.
- وثّق تميّزك: مسارات المواهب الاستثنائية وأصحاب الرواتب الأعلى هي المستفيدة من قواعد الاختيار المرجّح الجديدة، فالملف القوي أهم من أي وقت مضى.
- استخدم مراجع التقديم الموثوقة: قائمة الفرص والمنح المحدّثة على Truescho تضم برامج لا تتأثر بتقلبات السياسة الأمريكية.
ماذا يجب أن تفعل الشركات الكفيلة الآن؟
القرارات لا تخص العمال الأجانب وحدهم؛ فمديرو التوظيف والمستشارون القانونيون أمام قائمة مهام جديدة واضحة:
- مراجعة سجل التسريحات: أي تسريح خلال الاثني عشر شهراً الأخيرة صار بنداً رسمياً يُسأل عنه في ملف الالتماس الجديد، لا مجرد خلفية صحفية.
- تدقيق شهادات ظروف العمل السابقة: المراجعة الرجعية المقررة خلال ثلاثين يوماً تعني أن الملفات القديمة قد تعاد إلى الواجهة، فتصحيح الأخطاء اليوم أرخص من غرامات الغد.
- إعادة تقييم الميزانيات: دفع 100,000 دولار لكل التزام لم يعد قراراً تشغيلياً عادياً، بل بند استثماري يستدعي حساب عائد صريحاً.
- التنويع الجغرافي: شركات عالمية عدة باتت تنقل مراكز التطوير إلى كندا وأوروبا ودول الخليج بدل خوض تعقيدات المسار الأمريكي، وهو تحول يفتح فرصاً جديدة للكفاءات العربية في أسواق أقرب جغرافياً وثقافياً.
أسئلة شائعة
هل رسوم الـ100,000 دولار جديدة؟
لا، فرضت أول مرة في سبتمبر 2025 بموجب الإعلان رقم 10973، وما جرى في 18 سبتمبر 2026 هو تمديدها اثني عشر شهراً إضافياً حتى 21 سبتمبر 2027.
هل يدفع المتقدم بنفسه هذه الرسوم؟
الالتزام يقع على الالتماس المقدم من جهة العمل، لا على العامل الأجنبي شخصياً، لكن واقعياً الشركات هي من يقرر تحمّلها من عدمه، والأغلبية لا تفعل إلا للكفاءات النادرة.
هل هناك استثناءات من الرسوم؟
نعم، استثناءات محدودة جداً نص عليها إعلان 2025، ولا يشمل الاستثناء الوظائف التقنية التقليدية في شركات التعهيد والتوظيف المؤقت.
هل التمديد نهائي ولا يمكن الطعن فيه؟
التمديد ساري كوثيقة رسمية، لكن دعاوى قضائية ضد قيود 2025 ما تزال معلقة أمام المحاكم، وأحد الأوامر القضائية بتعليق تنفيذ الرسوم ما يزال قائماً وفق تقارير صحفية، فقد تتغير الصورة قانونياً لاحقاً.
ما البدائل الواقعية للمهنيين العرب؟
ألمانيا عبر بطاقة الفرصة ومسارات الكفاءات، وكندا عبر نظامها المبني على النقاط، ودول الخليج عبر التوظيف المباشر — وتجد تغطيات موثقة لكل مسار في مدونة Truescho.
الخلاصة
تمديد رسوم الـ100,000 دولار حتى سبتمبر 2027، مقروناً بأمر تنفيذي يعاقب الشركات المُسرِّحة، يرسّخ تحولاً جوهرياً في سياسة العمل الأمريكية: من باب مفتوح للكفاءات إلى بوابة انتقائية باهظة الثمن. ولمن يخطط لمستقبل مهني دولي، الرسالة العملية هي تنويع الوجهات والاعتماد على برامج مهارات واضحة القواعد، بدل تعليق الآمال على مسار واحد بات أغلى وأكثر نزاعاً من أي وقت مضى.
المصادر
- الإعلان الرئاسي: تقييد دخول عمال مؤقتين معينين (تمديد 2026) — whitehouse.gov
- الأمر التنفيذي: تعزيز نزاهة برنامج H-1B — whitehouse.gov
- صحيفة وقائع البيت الأبيض حول H-1B — whitehouse.gov
- تغطيات صحفية: رويترز وتايمز أوف إنديا وهندوستان تايمز وThe Indian Express (19-20 سبتمبر 2026)
اقرأ أيضاً: فوز حزب البديل بولاية ألمانية ثانية: ماذا يعني للمهاجرين؟